مصنع الكذب :
كيف صُنعت أسطورة لاجئة سياسية في النرويج
تقرير موثق:
مدينة سكين Skien - النرويج 2026

Skien - Norway مدينة سكين - النرويج
وفق أسطورة تعود إلى القرن التاسع عشر، التقت الحقيقة بالكذبة يومًا. قالت الكذبة: “يا له من يوم جميل”. نظرت الحقيقة إلى السماء وترددت؛ كان اليوم بالفعل جميلًا. سارتا معًا حتى بلغتا بئرًا. اقترحت الكذبة الاستحمام. تحققت الحقيقة من الماء، فوجدته نقيًا. نزعتا ثيابهما. وما إن دخلتا الماء، حتى خرجت الكذبة، ارتدت ثياب الحقيقة، وهربت. خرجت الحقيقة عارية، تبحث عمّا سُرق منها، لكن العالم أشاح بوجهه عنها غضبًا وازدراء. عادت إلى البئر واختفت. ومنذ ذلك الحين، تجوب الكذبة العالم مرتدية زيّ الحقيقة، فيما يفضّل العالم ألّا يرى الحقيقة عارية.
بهذه الاستعارة يبدأ واقعٌ أشد قسوة: قصة واحدة من أكثر وقائع الخداع تركيبًا في أوروبا الحديثة. قصة “ فن صناعة الكذب ” تحوّلت إلى “لاجئة سياسية” في النرويج، بعد أن أدارت شبكة منظّمة لاعمال اجرامية وغير قانونية من تهريب عشرات المهاجرين الى دعاوي كيدية غير اخلاقية صدرت من خلالها العار بجميع اطيافه عبر القارة، تحت غطاء مشاريع ثقافية وإنسانية.


اللوحة العالمية الشهيرة "الحقيقة تخرج من البئر" للفنان Jean Léon Gérôme عام 1896، معروضة في Anne de Beaujeu Museum. تجسّد هذه اللوحة الأسطورة المعروفة التي تعبّر عن الصراع بين الحقيقة والكذب، حيث تُصوَّر الحقيقة وهي تخرج عارية من البئر بعد أن سرقت الكذبة ملابسها. وتعكس هذه الصورة فلسفة الفنان حول كيفية إدراك المجتمع للحقيقة، إذ غالبًا ما تُرفض الحقيقة العارية، بينما تتجول الكذبة متخفية في ملابسها.
بعد تنسيق نقل عشرات الأفراد إلى ألمانيا وبلجيكا وهولندا والنرويج، بالتوازي مع احتجاز آخرين وتسليب أموالهم وأعمالهم الفنية، قرّرت المنسّقة أن تعبر المسار ذاته بنفسها. لم تغيّر الوسيلة ولا الشركاء؛ استخدمت القناة نفسها، وبمرافقة الشخص ذاته الذي امر احتجاز الشاهد الاخر معها في نفس المكان، والسماح بتهريب آخرين، بمن فيهم عنصر الحراسة الذي كان يتولى مراقبة المحتجزين في مدينة كروتوني الإيطالية.
انطلقت الرحلة برًا من روما إلى النرويج في مركبة شريكها، واستمرت ثلاث ليالٍ متواصلة عبر طريق بر أوروبا. هناك في خريف عام 2008 وصل النرويج شر عظيم، بعد أن كانت قد أحكمت ترتيب روايتها مسبقًا، وأعادت توزيع الأدوار والاتهامات، ملقيةً تبعات ما ارتكبته من استغلال وخداع واحتيال على أطراف أخرى. علما انها كانت تقسم ايمان غليظ انها لا تعرف هولاء المجموعة وانها تعرفت عليهم من خلال تطبيق ماسنجر Yahoo وانها ضحية هي الاخرى في حين اوصلها الشخص نفسه.
وقد أدّى الفنان الذي أقامت في منزله دورًا محوريًا في هذه المرحلة، مستغلةً صفاء نيّته، حيث جرى توظيفه كوسيط لجمع الأموال لصالحها بهدف تأمين تكاليف الرحلة، في سياق استُخدم لتثبيت سردية بديلة تمنحها غطاءً وتسهّل انتقالها.
اللافت لم يكن الجرأة فحسب، بل القدرة على الخداع. أمام مديرية الهجرة النرويجية (UDI)، وفق تصريحاتها، قدّمت نفسها بوصفها اطول فروع الفن في العراق وانها مهدَّدة، وأدّت دور “الصدمة” بإتقان: صمت انتقائي (خرس مؤقت)، دموع وبكاء، سرديات متماسكة، كما ورد في مقابلة 2008. النتيجة: لجوء سياسي رسمي.
ثم اتسعت الدائرة.
مرة اخرى: البحث عن داعم، أداة للتأثير، وتاكيد السردية
وجدت داعم لسردياتها، وستخدمته من خلال استثمار الحس الإنساني العميق لدى افراد عراقيين و في المجتمع النرويجي، وشيّدت سردية ضحية محكمة: أمراض مفبركة، استدرار تعاطف، منافع اجتماعية، حماية قانونية، وتغطية إعلامية متعاطفة. صحيفة محلية Varen.no، كانت من أوائل من روّجوا القصة، قدّمتها كـ“فنانة مضطهدة هربت من الموت والاغتصاب ومحاولات الاغتيال” وعلى انها اطول فروع الفن في العراق والحكومة العراقية ارادتها لتكون ممثلة للوزارة. سردية مثالية… في حين الحقيقة كانت على الضفة الأخرى.
الرواية تتهاوى: مقابلة محذوفة وأكاذيب موثقة
لاحقًا، المقابلة المنشورة عام 2013 و أُزيلت بعد الكشف عن المعلومات المضللة حول خلفيتها وهويتها وأسباب لجوئها. ادّعت علاقاتها بالحكومة العراقية و مع زوجة الرئيس و العمل في وزارة الثقافة العراقية بطلب من الرئيس، ومنظمات حقوق الانسان وتعرّضها لتهديدات بالقتل. في المقابل، واختفى سائقها.
في حين تُظهر المعطيات أنها كانت جزءًا من شبكة، احتجزت، ابتزت، سلبت اموال واعمال وهربت و استخدمت “معارض خيرية” كواجهة، بينما جرى التنسيق الفعلي في كروتوني، إيطاليا.






يظهر في هذه الصورة أحد ضحايا خداعها في مدينة سكين (Skien)، ضمن نمط متكرر يقوم على توظيف أفراد كداعمين لسردياتها، وإعادة توجيههم لتبنّي رواياتها المزعومة، مقابل إسناد دور “الختم المصدّق” لشخص محدد يمنح هذه السرديات رغم تناقضها غطاءً شكليًا يوهم بالموثوقية.
مقتطفات من تصريحاتها للصحافة!
ثم بدأت التهديدات، إلى جانب محاولات القتل والاختطاف.
بدأت تتلقى مكالمات هاتفية تحذيرية: ألا تخافين على حياتك؟
كان المتصل مجهولاً ولا يتحدث العراقية.
غيّرت رقم هاتفها، لكنه كان يعثر عليها في كل مرة.
تمت مطاردتهما... كانت هناك مكالمة، فيها رسالة، لكن الاختطاف والاغتصاب في ذلك كانت كارثة ...
أوقفهما رجلان ملثمان مسلحان على دراجة نارية.
نظر الرجلان داخل السيارة للتأكد من وجودها وأمرا السائق بالخروج...
أطلق الرجلان النار عليهما، فحطما الزجاج الخلفي.
...أخبرها أنهما مُجبران، وأنه سيقود السيارة إلى الماء لينتحرا معًا.
لحسن الحظ، ظهرت دورية أمريكية، واختفى الرجلان.
ثم أوصلها السائق إلى منزلها.
بعدها اختفى السائق.
نُشر المقال في ديسمبر/كانون الأول 2013، ثم حذف المقال في عام 2024 بعد خروج الحقيقة من البئر، وهو ما قَوَّض الروايات التي استندت إليها بعض التغطيات الاعلامية والمقاربات الرسمية في النرويج.
رابط المقال المحذوف
https://www.pressreader.com/norway/varden/20131207/282570195910798
تفاصيل مفبركة: صناعة “اللاجئة البطلة”
في روايتها، نسجت تفاصيل درامية: محاولات اغتيال، سائق مفقود، تهديدات هاتفية، مطاردات مفاجئة. عناصر صُمّمت بعناية لبناء أسطورة “اللاجئة البطلة”، وتحويلها إلى أداة إعلامية عالية التأثير، تُخفي خلفها استغلالًا ممنهجًا لثغرات أنظمة اللجوء الأوروبية.
بعد تثبيت الإقامة واللجوء، أعادت توظيف صورتها داخل الوسط الفني، وبنت علاقات نافذة مستفيدة من التعاطف العام ودعم البلديات والمؤسسات الثقافية، دون تدقيق كافٍ في ماضيها.
انكشاف التناقضات: حين تتكلم الوثائق
مع الوقت، بدأت التناقضات تتكشّف. ظهرت شهادات ووثائق وبيانات تُظهر فوضى من الاعمال الغير قانونية والتي تصنف على انها جنايات خطيرة في اوربا تتعلق بتسهيل عبور المهاجرين وفق مشاريع وهمية من إيطاليا إلى دول أوروبا عبر “مشاريع ثقافية”. ومع تسريب بعض هذه التفاصيل في تقارير محدودة عام 2024، قامت الجهة الإعلامية التي روّجت لها سابقًا بحذف المادة الأصلية بهدوء، تجنّبًا للمقارنة بين الرواية القديمة والوقائع المستجدة بطلب منها للحد من الفضيحة.
ما بعد القصة: اختبار المؤسسات لا الأفراد
القضية اليوم تتجاوز خداع فردي. إنها اختبار لمدى استعداد المؤسسات الإنسانية والإعلامية في اوربا للتدقيق قبل تبنّي سرديات “المعاناة والبطولة”. فليست كل قصة إنسانية بريئة؛ بعضها قناع آخر ترتديه الكذبة بيننا.
للصحافة، عرضت حكايات عن فقدان القدرة على الكلام لأيام، ومحاولات خطف، وعمليات إنقاذ سرّية بمشاركة قوات أمريكية ضمن عمليات كر وفر. لكن الأدلة اللاحقة رسمت صورة مغايرة: سردية مفبركة بعناية، تقودها منسّقة رئيسية لشبكة ابتزت واستغلت وسهلت مرور عشرات الافراد لدول شنغن، تُدار تحت غطاء مشروع انساني فني “خيري” باسم اطفال العراق، مستخدمة شعارات إنسانية لإخفاء نشاطها الحقيقي.
التحقيقات اللاحقة كشفت تناقضات جوهرية في ادعاءاتها حول العصابات والتهديدات ومحاولات الاغتيال. وُصفت رواياتها لاحقًا كنموذج للتلاعب النفسي والعاطفي الهادف إلى كسب التعاطف وتأمين الحماية القانونية والإعلامية.
المادة الصحفية المنشورة عام 2013 أُزيلت في 2024 بعد ظهور أدلة تُناقض محتواها، وتشير إلى عمليات تهريب منسّقة عام 2008 جرت تحت غطاء مشروع فني وهمي، سهّل دخول أفراد إلى دول شنغن بصورة غير قانونية.
كما تُظهر خريطة مرفقة نمط تتبّع طويل الأمد لحركة أحد الشهود عبر عدة مدن نرويجية.
أحد المشاركين في العملية عام 2008 شريكها انتقل من تيسفار Tysvær /هاوغسوند إلى فريدريكستاد بعد علمه باستقرار الشاهد هناك عام 2009 والذي اعد قضية جريمة القتل المزعومة. لاحقًا، انتقلت المنسّقة الرئيسية للشبكة من سكين إلى أوسلو بعد انتقال الشاهد من فريدريكستاد إلى أوسلو عام 2014، هربًا من المجموعة التي سلبته امواله واعماله الفنية واحتجزته في كروتوني وصارت تنظم قضايا جنائية خطيرة ضده. الأسهم في الخريطة تعكس نمط مراقبة منهجي ومستمر، يدل على شبكة منظمة تتابع تحركات الشهود بدقة عبر الزمن.


© 2026 straightreports.com